واحد يحلب وواحد أشد من الكرون


يعتبر إلقاء القبض على عبد الله السنوسي ، رئيس مخابرات القذافي السابق، والمطلوب للمحكمة الجنائية الدولية ، في مطار موريتانيا قادما من المغرب على طائرة مغربية بجواز سفر مالي مزور، بمثابة حرج جديد سببته الأجهزة الأمنية المغربية لحكومة عبد الإله بن كيران قبل أن تكمل 100 يوم. يضاف الى ما تسببه لها.

يعين الملك محمد السادس في المغرب المسئولين عن الوظائف السامية بالمملكة بمراسيم ملكية، ومن هؤلاء قيادات الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية. وهؤلاء المعينون بمراسيم ملكية يعتبرون أنهم يتساوون في ذلك مع الوزراء الذين يفترض أنهم يتبعون إليهم أداريا. ولذا يديرون في الغالب أعمالهم دون الرجوع الى هؤلاء الوزراء أو أشراكهم فيما يقررونه .ولا يرجعون أيضا الى الملك فيما يتخذونه من قرارات، بل يعتبرون تعيينه لهم بمثابة تفويض لهم بكامل السلطات التي يقتضيها أداء أعمالهم ، وثقة من الملك في حسن أدارتهم لأعمالهم المنوطة بهم ، وأنهم في النهاية يتحملون مسؤوليتها أمامه وحده.بينما في الواقع فإن الحكومة تتحمل وحدها المسؤولية عن تداعيات تصرفاتهم أمام المجتمع المحلي والدولي، خاصة عندما يتعلق الأمر بانتهاكات لحقوق الإنسان أو تبعات سياسية ناتجة عن سوء المعالجات الأمنية للقضايا الاجتماعية أو السياسية.

إحراج الحكومة بالتعامل الفظ مع الاحتجاجات السلمية
 
كان رئيس الحكومة المغربية قد تعهد علنا بأن يتم احترام الاحتجاجات السلمية وعدم التدخل الأمني لقمعها، وتم التعامل بالفعل مع المظاهرات السلمية وفق ذلك على إثر تعيين الحكومة الجديدة ولكن تغير الوضع بعد أن نالت الحكومة الثقة من البرلمان وقدمت القانون المالي وتمت الموافقة عليه من قبل البرلمان. بعد ذلك مباشرة عادت الأجهزة الأمنية إلى ممارساتها السابقة في قمع الاحتجاجات مستخدمة في بعض المواقع البعيدة عن العاصمة العنف المفرط على حد تعبير المنظمات الحقوقية.
واتضح في بعض الحالات بأن الحكومة كانت آخر من يعلم بالمشاكل التي تسببت في تلك احتجاج المواطنين عليها ،وما تم اتخاذه من قبل الأجهزة الأمنية من قمع شديد لها في مواجهتها، حيث لم يتم إخطارها من أي جهة بما حدث ، وإنما عرفت به مثل باقي المواطنين مما نشرته وسائل الإعلام عنها،وجاء دورها تاليا للقمع لتقصي الحقائق ،وتضميد جروح الأهالي ،والعمل على حل مشاكلهم وترضيتهم .كما حدث في أحداث مدينة تازة.

واقعة اعتقال السنوسي

أشارت الروايات الواردة من فرنسا وموريتانيا وطرابلس بأن عبد الله السنوسي كان يقيم في مدينة الدار البيضاء بالمغرب مع ولده تحت مراقبة الأجهزة الأمنية المغربية من ناحية ، ومراقبة المخابرات الفرنسية، وأنه تم استدراجه إلى موريتانيا وإلقاء القبض عليه في مطارها بتنسيق بين المخابرات الفرنسية والموريتانية.حيث أعلن مكتب الرئيس الفرنسي ساركوزي أن اعتقال السنوسي جاء نتيجة لجهود مشتركة بين السلطات الفرنسية والموريتانية، مؤكداً أن السلطات الليبية كانت على علم بتلك الجهود.وأكدت المصادر الموريتانية أن بعض الأطراف المقربة من السنوسي تم استغلالها في عملية إقناعه بالتوجه إلى موريتانيا باعتبارها البلد الأكثر أمانا له خلال المرحلة القادمة.وتردد أيضا بأن السنوسي اتصل بأحد معارفه الموريتانيين ممن كانوا يشغلون من قبل وظيفة أمنية حساسة ،بغرض تمكينه من سحب ودائع مالية لأسرة القذافي فطلبوا منه الحضور لإنهاء هذا الإجراء.

وبناء على ذلك ،غادر السنوسي الأراضي المغربية مساء الجمعة الماضي على متن رحلة للخطوط الملكية، وقد رافقه عناصر من الأمن الموريتاني في الرحلة ذاتها، كما استقبل من قبل ضباط من جهاز أمن الدولة لدى هبوطه في مطار نواكشوط.

ولم تصدر السلطات الأمنية المغربية أية بيانات توضح موقفها من هذه الواقعة ، وبينما كان ينتظر بأن تعلن بأنها لم تكن تعلم أن الشخص الذي دخل المغرب بجواز سفر مالي وبدون تأشيرة هو عبد الله السنوسي، وأنها لم تكن تتوقع قدومه إلى المغرب لتضع أسمه في قوائم انتظار الغير مرغوب فيهم ، نشرت صحيفة المساء الصادرة بتاريخ اليوم الاثنين 19 مارس نقلا عن مصدر أمني مغربي بأن السنوسي لم يكن مقيما بالمغرب وأنه قدم على طائرة فرنسية من فرنسا ونزل لمدة ساعة ترانزيت في مطار الدار البيضاء احتسى خلالها فنجان من القهوة قبل أن يواصل سفره بعدها الى موريتانيا.بينما نشر في نفس اليوم بصحيفة “أخبار اليوم ” المغربية نقلا عن مصدر أمني رفض الكشف عن نفسه بأن السنوسي كان يقيم في الدار البيضاء وإن اعتقاله تم بتنسيق بين المخابرات المغربية والموريتانية.

ولو أن الأجهزة الأمنية المغربية تعللت بأنها كانت تجهل وجوده في المغرب ، وسواء كان هذا صحيحا أو بحثا عن مخرج لها، لكان ذلك أفضل من إنكار دخوله المغرب كلية إذا لم يكن ذلك صحيحا، فالأهم من اتهامها بقلة الكفاءة هو تفادي أي حرج سياسي للحكومة المغربية، يلحق ضررا بمصالح المغرب.

ويبدو من تصرفها، إذا ثبت فيما بعد عدم صحة ما أعلنته ، بأن كل ما يهمها هو سمعتها وصورتها في الداخل دون أي اعتبارات أخرى..وفي زمن ثورة الاتصالات والانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي، فإن الحصول على المعلومة لم يعد رهن ما تنشره صحيفة محلية أو وسائل أعلام رسمية .

يأتي الحرج الذي سببته تلك الواقعة في حالة صحة الروايات الليبية والفرنسية والموريتانية وخاصة أنه سيخضع للتحقيق في كل من موريتانيا وفرنسا ولدى المحكمة الجنائية الدولية ، إن لم يتم تسليمه لليبيا ، وستنكشف الحقيقة، من أن الحكومة المغربية كانت تراهن على إقامة علاقات جيدة مع السلطات المغربية تساعد على فتح فرص عمل للعاطلين من الشباب المغربي ، وللمقاولات المغربية في المشاركة في أعمال أعادة تعمير ما خربته الحرب ،واستقطاب الاستثمارات و السياحة الليبية ،بسبب الأزمة المالية والاقتصادية التي يعاني منها المغرب حاليا.ومن شأن أن يكتشف بأن الأجهزة الأمنية المغربية كانت تتستر على أقامة أحد أكبر المطلوبين من قبل الحكومة الليبية والمحكوم عليه غيابيا بالمؤبد في فرنسا والمطلوب أيضا للمحكمة الجنائية الدولية ، أن يؤثر سلبا على جهود الحكومة المغربية في التعاون مع ليبيا.

الاشتباه في إحراجات أخرى غير مؤكدة

تثور شبهات أخرى بأن يكون صدور تصريحات معادية لسياسة الحكومة ولحزب العدالة والتنمية الذي يقودها ، من شخصيات توجد شبهات حول وجود علاقات وثيقة بينها وبين الأجهزة الأمنية المغربية بأن تكون تلك الأجهزة هي التي تحركها ، ومنها شخصيات تنتمي الى أحزاب الأغلبية المشاركة في الحكومة. وجاءت هذه التصريحات بعد أن قام وزير التجهيز التابع لحزب العدالة والتنمية بنشر لائحة من المستفيدين برخص النقل ، وإعلان رئيس الحكومة بأنه سيتم الإعلان عن المستفيدين من باقي الرخص والامتيازات، ضمن سياسة الحكومة المعلنة في في وضع حد لاقتصاد الريع، خاصة وأن قيادات في تلك الأجهزة الأمنية أو من أقاربها أو المتقاعدين من الخدمة بها تعتبر ضمن هؤلاء المستفيدين من تلك الامتيازات.

وإذا اتضح أن تلك الشبهات لها ما يبررها ، أو يثبت مصداقيتها ، فلن يكون أمام رئيس الحكومة سوى العودة الى العاهل المغربي للاتفاق على وضع حد لهذه الممارسات الضارة بمصالح البلاد ، والتي قد تقودها إن استمرت إلى ما لا يحمد عقباه ، ويهدد أمنها واستقرارها.

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire